
فضاء الأنثى
أيُّ جيل هذا الذي أنتجه عهدُ الاستقلال؟ جيلٌ لا حدود للكبت الجنسي الذي يملك عليه جوارحَه وعقلَه ويضبط تحركاته وممارساته داخل المجتمع، جيلٌ لا يركن إلى رادع أو وازع ديني أو أخلاقي حتى ليخيل إليك أنه جيلٌ منقطع عن الجيل السابق، الذي صنع رجالا أفذاذا، تعلّموا وعلّموا وقاوموا وأعطوا للمغرب وجهاً مشرقا بين الأمم.
هذا الجيل، جيلُ العنف والقتل والاعتداء على المواطنين، والاغتصاب الذي لم يجد، إلى الآن ردعا قانونيا مناسبا، بل إن الانطباع العام أن ما تصدره محاكم مغرب الاستقلال في مثل هذه الحالات من أحكام، تبقى أحكاما مخفّفة، لا ترقى في نظر الكثيرين إلى خطورة الفعل الإجرامي الذي يمكن مساواة خطورته مع جرائم القتل العمد، اعتبارا لكون الضحايا يوجدون غالبا في حالة ضعف أمام مغتصبيهم، وبالتالي فإن جرائم الاغتصاب كان يجب أن يسري عليها ما يسري على جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار، والترصّد!……
لقد أصبح الاغتصابُ ظاهرةً مقلقةً تثير الرعب في المجتمع المغربي وتقدّ مضاجع الأسر المغربية حيث يفاجأ الانسان عند كل صباح بأخبار اغتصاب أطفال في عمر الزهور في جل نواحي المغرب، حواضره وبواديه، وكأنه قدرُ هذا المجتمع الذي يكاد يكون قد صار فريسة ذئاب بشرية مدسوسة في كل مكان، لتعبثَ بكرامة وشرف وبراءة أطفال المغرب وتثير الرعبَ في أوساط الأسر.
الأخبارُ التي تطلع بها صحف المغرب عن اغتصاب الأطفال والطفلات القاصرين، لكثرتها وتعدّد ظروفها، تكاد توحي بأن الأمر صار عادياً. نقرأ الخبر ونطوي الصفحة، تماما وكأن هذا الأمر لا يحدث إلا للغير!
فهذا حارسُ ملعب يغتصبُ أطفالا بعد تخديرهم بتطوان، وهذا ذئبٌ بشريٌّ بمدينة سلا يغتصب مجموعة من الأطفال استدرجهم، لبراءتهم، إلى مسكنه ليعبث بشرفهم، وهذا معلمٌ بالبيضاء يمارس شدوده الجنسي على تلميذات بالأقسام الأولى ابتدائي، وهذا فقيهٌ إمامٌ يًحوّل بيتَ الله إلى بيت للرذيلة، يمارسها على أطفال وطفلات وعلى بالغات لثقتهم جميعا في الفقيه وفي بيت الله،(وفي الستين حزب التي في صدره) وهذا أستاذ جامعي يتحرُّش بطالباته مقابل نقط تضمنُ لهن شروط َالنّجاح..
وهذه فتاة العرائش، وهذه فتاة بنجرير التي اعتبرت أن المغرب ظلمها حين استهان بقضيتها فاستجارت بالنار لتحمي نفسها من جور البشر! وهذه طفلةٌ في ربيعها الثاني عشر، تضعُ حدّا لحياتها بأن شربت سم الفئران، لتتخلص من كابوس الاغتصاب. ومن يا ترى يكون المغتصب؟ عسكريٌّ متقاعدٌ لم يُقدّر شرف الانتساب إلى عسكر الوطن، فسارع، “كالذئب إذا الذئبُ على الشاة جثم” يحاول إفراغ كبثه في طفلة في سن حفيدته، استدرجها إلى بيته بدوار في سوق الأربعاء ومارس عليها الرذيلة. وحين علم أخوها بالواقعة وجاء لبيت العسكري يستخبر عنها نشب صراع بينه وبين المغتصب، تمكنت الطفلة خلاله من التسلل خارج بيت العسكري لتقرر الانتحار خوفا من عقاب أسرتها. (والنماذج السيئة في هذا الباب متعددةٌ متنوعة محبطة)!…
حالات الاغتصاب بالمغرب لا عدّ لها ولا حصر، ولكنها غالبا ما تأخذ حجما أفظع حين لا تجد المغتصَبة أو المغتصَب، طريقة أخرى للمواجهة غير الانتحار.
ولعل حادثة خديجة السويدي قد أفصحت عن المكبوت وعرّت عن المستور وقالت كل شيء عن تردّي الأوضاع داخل المجتمع المغربي حيث يجد المظلوم نفسَه بين مطرقة الاغتصاب وسندان الظلم والقهر والحكرة!
حقيقةً إن المغرب شرّع نصوصا قانونية لمعاقبة الاغتصاب والمغتصبين، وأن هناك العديد من الجمعيات الأهلية التي انتدبت نفسها لحماية الأسرة والطفل والمرأة، ولكن الأمر غالبا ما يبقى في حدود الأدبيات والشعارات والمناظرات والبلاغات، والنتيجةُ أن الجريمة بمختلف أشكالها وصفاتها تفشت في مجتمعنا، وانتشرت، وكثر ممارسوها كما كثرت وسائلها وتجدّدت، لتخلق جوّا من الخوف داخلَ المجتمع وداخل الأسر….
هناك إذن خللٌ ما، في مكان ما…. على المسؤولين اكتشافَه ومواجهتَه والقضاءَ عليه. تلك مسؤوليتهم ومسؤولية المجتمع المدني. أليس كذلك؟ وفي نظر الكثير من المواطنين، أن الخللَ يوجدُ في التشريع الذي يسمح بإخلاء سبيل مجرمين ويدفع بهم إلى ممارسة الابتزاز على ضحاياهم، ويدفع ضحاياهم إلى الانتحار حرقا أو بواسطة السم للإفلات من العار.إن محاولة القضاء على الجريمة عن طريق الوعظ والإرشاد، مسألة ٌطوباوية. بينما المطلوبُ هو الزجرُ القويُّ المثالي. وإلاّ “على رقبة من” تقع روح خديجة السويدي والطفلة ضحية العسكري، وأرواح كل ضحايا الاغتصاب بالمغرب؟ !!!…
سبق نشره في جريدة طنجة
