
حكامنا لا يطيقون النقد، ولا يستسيغونه والويل كل الويل لمن جاهر بنقد الحكام إذ انهم يعتبرون ذاك خذلانا لهم وتبخيسا لعملهم فهم قوم لا يخطئون. مناسبة هذا القول جلسة مساءلة الحكومة بالبرلمان، في موضوع تقرير المجلس الأعلى للحسابات حيث عمد النواب إلى إظهار امتعاضهم بغيابهم الواسع عن حضور الجلسة، إذ تغيب عن الجلسة ما يفوق 300 برلماني من مختلف التلوينات والتوجهات السياسية، هذا الغياب الذي فسره بعض العارفين بأنه رفضٌ للطريقة التي يعالج بها المجلس الأعلى للحسابات المأمورية المكلف بها، ويفسره غيره بأنه “أهانه” لمحكمة الحسابات. بل إن رئيس مجلس النواب الذي أعاده “التحالف الثلاثي المقدس” المشكل من حزب الأحرار و والاصالة والمعاصرة والاستقلال، الى رئاسة مجلس النواب، حيث يتمتع بأغلبية مريحة، اعتبر في بداية الجلسة أن المجلس الأعلى للحسابات يصور البلاد وكأنها كلها فساد وأن هذا المجلس يتعرض في تقاريره للاختلالات فقط، ولا يتحدث عن “الأشياء الجميلة”– التي لا يراها ألا هوّ وقيادات التحالف المقدس. والمنتفعين به ومنه —. الرئيس اعتبر أن المجلس الأعلى للحسابات يترك الانطباع في تقاريره بأن البلاد ليس فيها سوى الفساد فقط، حيث ان المجلس يعالج الموضوع من زاوية واحدة، ويترك جانبا كل ما هو جميل مشددا على أن تلك التقارير لا تأخذ بعين الاعتبار التراكم الإيجابي للمنجزات بالبلاد.
ربما يكون قد غاب عن علم السيد الرئيس أن المجلس الأعلى للحسابات مؤسسة دستورية وأعلى هيئة رقابية بالبلاد وأن هذه الهيئة لم تنشأ لغاية التطبيل والتزمير بمنجزات الحكومة و البرلمان بل، وبالضبط، لحصر الاختلالات والعيوب في تدبير الأموال العمومية، والشأن العام وجرّ المشتبه في سوء تدبيرهم الى المحاكم للقصاص، وهو ما يحصل الآن في عدد من محاكم المغرب.
وقد بلغ التدمر برئيس فريق حزب الاحرار الذي يقود الحكومة أن اعتبر أن بعض خلاصات المجلس الأعلى للحسابات “غير واقعية “وأنه كان ممكنا تفادي هذه المغالطات لو اعتمدت تقارير المجلس الأعلى للحسابات نوعا من التوازن بين مظاهر جودة التدبير العمومي بالمرافق والادارات العمومية قبل استعراض مظاهر الاختلال والفساد.
وقلل ممثل “الأحرار” من تأثيرات حالات الفساد المالي الواردة في تقارير وخلاصات المجلس الأعلى للحسابات المحالة على القضاء، بكونها حالات محدودة جدا ولا يمكن الاستناد اليها لاعتبار انها تشكل تبخيسا لعمل المؤسسات.
ربما يكون قد غاب عن علم بعض المتدخلين خلال هذه الجلسة، ممن يعترضون على خلاصات المجلس الأعلى للحسابات أن هذا المجلس لم ينشأ لتويع “البونات” على المتفوقين والتنويه بالمجدين من الموظفين. المجلس مؤسسة دستورية دورها الأساسي المساهمة الفعالة في عقلنة تدبير الأموال العامة كمؤسسة عليا للرقابة.
