
فضاء الأنثى
لازال الجدلُ قائما حول اعتلاء سيّدة منبر زاوية بفاس، تثير العديد من التعاليق” المستنكرة”، خاصة من الجهات المتشدّدة، بدعوى أنها عارية الرأس، متدلية الشعر، سافرة!، بعد أن تمّ تداول صورة لها في مواقع التواصل الاجتماعي، بالرغم من أن السيدة “السافرة” لم تكن تلقي “خطبة دينية” ولم تعتل منبر الخطابة بمسجد من مساجد فاس، بل إن الأمر كله، وببساطة، يتعلق بندوة علمية نظمتها جمعية ” ذاكرة فاس” في إطار احتفالات هذه المدينة العتيقة بذاكرتها و بثراتها، بحضور العديد من المتتبعين، رجالا ونساء، بل ومنهم أجانب .
بعض المتشددين المغالين اعتبروا أن الأمر عملٌ مشبوه ومثير ويعتبر من الأمور المنكرة، ومنهم من اعتبرأن الأمر تدنيسٌ لبيوت الله”، و “عبثٌ بالمساجد ” بل ومؤامرة” على الإسلام، وفضيحة من فعل” العلمانية” الحداثية و “الصهيونية “المقيتة”. منتقدٌ آخرُ اعتبر أن من “المشين” أن نصادفّ بالمساجد “عيالات” “متبرّجات” بشعر متدلّ على المنابر دون أن يعمد المسؤولون إلى وقف هذا العبث.!
المثير في الموضوع أن المنتقدين استعملوا في تدويناتهم عبارات “مشينة” في حق المرأة حين اعتبروا أن وجود المرأة داخل زاوية أو مسجد بدون خرقة تغطي رأسها عملٌ “تدنيسي” لبيوت الله، وكأن المرأة التي كرمها الإسلام حين خاطبها مخاطبة الرجل في كل ما يخص الدين واعتبرها “انسانا كامل الإنسية”، والمسؤولية الدينية، في التكليف، سواء بسواء، أما كل ما “خيط” في حق المرأة من “تعقيدات” وتنقيص من حقها ّكبشر بأن اعتبروها ” عورة” أي كائنا “مشينا” يجب “سحبُه” وإخفاؤه بالتالي ومنعُ المرأة من التمتع بحقوقها لتبقى تحت “سيطرة الرجل” “من المهد إلى اللحد”، فجلّه نابع من مخيلة الفقهاء الأولين المسكونين بهوس الأنثى التي يريدونها “جارية” في خدمتهم وينسجون في ذلك أقوالا وأحاديث من متخيلهم المريض، ترسّخ فكرة “دونية” المرأة، التي لا يعتدُّ، شرعا” لا بعقلها ولا بدينها ولا بشهادتها ولا بمروءتها !!!…
وفي هذا الإطار تندرج “الشّوهة” التي أقامها بعض المتقولين عن الدين من المتجمّدة قلوبهم وعقولهم، المتحجرة نظرتهم إلى المرأة، حين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بمجرد تداول صورة لسيدة قبلت أن تشارك في ندوة علمية حول تراث مدينة فاس، في زاوية أهل فاس، وأن تلقي مداخلتها العلمية من على كرسي للدروس في هذه الزاوية، دون أن تحشر جسدها في كفن يعتبرونه غطاء شرعيا يخفي “عورتها” ويجعل منها شبحا بدون ظل. تتحرّر
فمتى تتحرّر العقول من مروث “خرافي” ينفي عن المرأة حقها في الكرامة والحرية؟
