محمّد بن عبد الكريم الخطّابي
فضاء الأنثى
نجمةٌ أخرى تغيب من سماء المغرب مخلفة حزنا كبيرا لدى شعب هذا البلد الكبير المعترف بفضل الرواد من المدافعين عن حريته واستقلاله، مستر خصين أرواحهم في سبيل كرامة بلادهم وشعبهم، أباة عُندٌ لا يرضون بالذل ولا بالهزيمة، يقتحمون أرض الوغي بقوة الإيمان.

تلك النجمة التي رحلت عن هذه الدنيا الفانية، الأربعاء الماضي هي المرحومة السيدة عائشة البنت الصغرى لأمير مجاهدي الريف، محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمهما الله وخلّد في الصالحات ذكرهما.
الراحلة السيدة عائشة الخطابي الأبنة الصغرى لأسد الريف أعلن عن وفاتها الأربعاء الماضي بالدار البيضاء، وشيع جثمانها الطاهر، في محفل رهيب يوم غده الخميس، بحضور الأمير مولاي رشيد وزمرة من نخب البلد ومن أهل العائلة الخطابية المجاهدة، وشيعت إلى مثواها الأخير بمقبرة الرحمة بالدار البيضاء، وسط حزن كبير ظاهر على محيا جميع من حضروا الجنازة التي لابد وأن تكون قد ذكرتهم بأمجاد العائلة الخطابية المجاهدة وقائد نضال أهل الريف المجيد من أجل دحر الإسبان المحتلين كمرحلة لطرد الفرنسيس أيضا، الغاصبين لأرض الوطن بمآمرة الحماية المفبركة والمرفوضة من الشعب المغربي قاطبة، التي وإن حافظت في البداية شكليا على طابعها الحمائي بالرغم من أن النسخة العربية لمعاهدة فاس المؤرخة في30 مارس 1912، لم يظهر لها وجود، فإن هذه المعاهدة سرعان ما تحولت إلى استعمار واحتلال مباشرين، داق المغاربة منهما الكثير من التحمّل والمعاناة! إلى أن جاء الفرج بفضل “ثورة الملك والشعب” إثر اعتداء المستعمر الفرنسي على الشرعية المغربية بنفي السلطان محمد الخامس بعد ما رفض مسايرة الحكام الفرنسيس في فرض إرادتهم على المغرب والمغاربة. نفس هؤلاء الفرنسيس الذين تطوعوا للتحالف مع الإسبان لأنها ثورة الريف والقضاء على ثورة من يسميه المستعمرون الفرنسيس ب “الفتان”، بينما هو مجاهد ابن مجاحد ومن قبائل مجاهدين منذ وصول الإسبان إلى الريف وضلوعهم في استغلال خيراته الفلاحية ومناجمه، ومنها منجم حديد الناضور الكبير بجبل إيكسان الذي سبق للشريف القائد أمزيان رحمه الله، أن طرد الإسبان منه بداية القرن الماضي وبعد معارك قوية، حيث انتصر على جيش الإسبان وأوقع فيه العديد من القتلى جنودا وضباطا. ما دفع الإسبان إلى التفكير في تصفية الشريف أمزيان غدرا، سنة 1912 ليتم حمل المشعل من طرف الشاب محمد بن عبد الكريم الخطابي بعد وفاة والده ويقود محاربي الريف إلى النصر المبين خاصة في معركة أنوال الشهيرة في 21يوليوز 1921. لتكون أخت معركة وادي المخازن (4 غشت 1578) التي سحق فيها المغاربة جيوش البر تغال. ومعلوم أن المجاهد محمد بن عبد الكرم الخطابي واجه، في أنوال عدة حملات مشتركة اسبانية فرنسية. حيث استعمل العدوان النابالم والأسلحة الكيماوية الأمر الذي أرغم ثوار الريف على الاستسلام وتم ّنفي عبد الكريم وأسرته وبعض أقاربه إلى جزيرة “لاريونيون” المستعمرة الفرنسية، حيث ازدادت السيدة عائشة وأخوها سعيد المتوفي بالقاهرة.
الراحلة عائشة الخطابي هي الوحيدة في الأسرة التي قررت العودة إلى المغرب للعيش فيه بعد وفاة والدها واستحالة الفصل عائليا في نقل جثمانه إلى المغرب، وقد عملت الراحلة مستشارة في مؤسسة عبد الكريم الخطابي بالمغرب ومديرة لمصحة بالدار البيضاء وكانت قد حصلت على شهادة الباكلوريا من المعهد الأمريكي للبنات بالقاهرة كما عملت عضوة نشيطة في الجمعية الإسلامية للإحسان. وقد أحاط جلالة الملك السيدة عائشة الخطابي بكامل عنايته حيث أنها كانت من الشخصيات التي تقدمت للسلام على جلالته بقصر مرشان بطنجة، بمناسبة الذكرى 19 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين وحيث وشح صدرها بوسام ملكي رفيع. وعاشت السيدة عائشة قترة القاهرة التي لجأ إليها بإيعاز من زعماء الحركة الوطنية المغربية، حزب الشورى والاستقلال وحزب الوحدة والاستقلال، وحزب الإصلاح الوطني وحزب الاستقلال ورافقته في مختلف مراحل نشاطه السياسي من أجل استقلال ووحدة الشعوب المغاربية حيث كان زعماء الحركات التحررية للمغرب والجزائر وتونس، بعد تأسيسه لمكتب المغرب العربي بالقاهرة، يجتمعون بمنزل الخطابي لتنظيم عملهم بقيادته. وهكذا اكتسبت السيدة عائشة خبرة في العمل السياسي كما اكتسبت صداقات مع زعماء الحركات الوطنية المغاربية وشخصيات مصرية وعربية كبيرة، حيث كانت الإقامة التي وضعها الملك فاروق تحت تصرف العائلة الخطابية بمثابة ناد سياسي للحركات التحررية المغاربية ودائرة عمل للتعريف عربيا ودوليا بقضايا تحرير المغرب العربي إلى أن وافت المنية أمير مجاهدي الريف بالقاهرة وكان ذلك في السادس من فبراير عام 1963ودفن في مقبرة الشهداء بالقاهرة رحمه الله.


