مدونة الأسرة: النموذج الذي يريده الشعب والملك

مدونة الأسرة لا تزال شوكة في حلق بعض الفقهاء وغصّة. لأنها قد تنصف المرأة بتمكينها من بعض حقوقها على حساب الرجل، كما يعلن البعض جهلأ أومكرا. لأن المدونة قد تنصف المرأة أو تسعفها في الحصول على ما هو حقٌ إنساني لها وهو بعض مما كان يستأثر به الرجل “على حسابها” بحكم “المألوف والمعروف”، وما كان يعتبره بعض المزهوين بذكوريتهم، خروجا عن الأدوار التقليدية لكل من الرجل والمرأة والتي تتفق مع نظرة بعض الفقهاء إلى المرأة التي جعلوا منها شغلهم الشاغل في أبحاثهم ومجالسهم وفتاواهم التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة من تفاصيل حياة المرأة إلا وأحصوها وأبرزوا مجالات النقص فيها أو جعلوا لها أحكاما تشينها وتعود بها إلى عصر الزوجة الجارية التي عليها خدمة زوجها في كل ما تؤمر به وتلبي كل رغباته حتى وإن لم يكن مستعدة لذلك، لتتفادى غضب الملائكة عليها طول الليل، لأنه سيدُها ومولاها، يحق له شرعا أن يؤدبها و حتى أن يضربها، ويهجرها ، نعم، ويضربها إن أخطأت في نظره، ولا حق لها في أن تعامله بالمثل، إن أخطأ هو أو خان العهد. لأن “السّي السيّد” لا عتاب عليه أن يقترف كل موبقات الكون، خارج البيت، ويتظاهر داخله بمنتهي العفة والصلاح والاستقامة! ويعتزّ بكونه صاحب المهر الذي يدفعه لاستئجار جسد الانثى للاستمتاع به خلال فترة الزواج، وهذا يعني أن المهر في نظر بعض الرجال أجرٌ يغطي مطالب الزوج الجنسية كما يغطي كل الأشغال المنزلية المفروضة على الزوجة ، بينما الجارية التي يشتريها من سوق النخاسة أو يسبيها أو يحصل عليها من نصيبه في مغانم “الجهاد” والفتوحات أو التي وقع أسرها في الحروب فإنه ليس مطالبا بمهر أو بعقد عند “ممارستها” لأن “التملك” أقوى من عقد النكاح الشرعي في نظر بعض الفقهاء. ولا رأي للزوجة “العدلية” في ذلك لأنها ملك اليمين!

أما قضة ضرب الزوج لزوجته، فلا يوجد خلاف بين المذاهب الإسلامية على إباحة ذلك، يكفى أن يتذرع الزوج بعدم طاعة زوجته له وتمردها عليه ليكون له حق ضربها.. أما ادعاء بعض الفقهاء بأن الضرب يجب ألا يكون مبرحا مؤلما، فهذه مغالطة أخرى من مغالطات بعض الفقهاء لأن الضرب يأتي بسبب غضب كبير أو انفعال قوي، ولكم أن تتصوروا رجلا يضربُ زوجته وهو في هذه الحالة النفسية الهستيرية المدمرة، ويحاول أن لا يتسبب في تأديتها إلا أن يكون رجلا بطاقة فوق طاقة البشر!

http://www.aljazeera.net

والمرأة تواجه في علاقاتها مع الرجل، مشكلات أخرى منها تعدد الزوجات، ولو بشروط العدل والقدرة، وهي شروط تفوق طاقة البشر، والقوامة التي فقدت قدرتها ومفعولها بسبب التطور الحاصل في المجتمع حيث لم تعد المرأة “عالة” على الزوج، بل في الكثير من الأحوال أصبحت المرأة تتكفل بإعالة الزوج والأولاد وتشتغل داخل وخارج البيت. وبالرغم من أن القوامة في الاسلام لا تعني الاستبداد فإن الرجل يستعملها استبدادا وقوة واغتصابا. العصمة بيد الرجل، منع المرأة من السفر إلا بمعية محرم، بما يعني أن المرأة وضعت، من المهد إلى اللحد، تحت وصاية الرجال، الميراث الذ جُعل للرجل مثل حظ الأنثيين.. دخول المعصب أو المعصبين، على خط الميراث بالنسبة للعائلات التي لم يرزقها الله بولد ذكر.. ذلك أن سبب دخول هذا الجسم الغريب في ميرات هالك لم يخلف ولذا ذكرا، استنفذ الغاية منه وهي التكفل بالأسرة بعد فقدان معيلها وحاميها. فهل معصبي اليوم يوفون بهذا الوعد؟

موجب هذه المقدمة التي أعتذر منكم لطولها، ما وقفت عليه خلال ندوة بأكادير حول إصلاح مدونة الأسرة، حيث تم الدفاع بقوة عن تزويج القاصر التي بلغت 17 سنة والتي “جاب لها الله من يتزوجها” ونحن نطالبها بأن تعود بعد سنة وتشتغل في انتظار ذلك، في بيع الكلينيكس أو كخادمة بيوت في انتظار زواج “المدونة”. كما تم الدفاع عن التعدد، وضُرب مثال مرض الزوجة. فهل تسير هذه الفتوى على الزوج أيضا في حالة مرضه؟ وفق مبدا المساواة الدستوري. أم إن دورها في الحياة كما يقول الفقهاء أن تخدم زوجها من باب الطاعة المطلقة، كزوجة وكممرضة في حالة مرضه.. وترى طائفة من المسلمين ومنهم مالك والشافعي أن خدمة المرأة للرجل تطوع ومكارم أخلا، فعقد النكاح إنما للاستمتاع لا للاستخدام. ثم إن القوامة لا تسمح للرجل أن يقوم على خدمة زوجته لأن الزوجة “عانية” وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنساء فقال ا “اتقوا الله في النساء فأنهن عوان عندكم ” والعاني الأسير ومرتبة الأسير خدمة من يوجد تحت يده. والله أعلم.

بخصوص تعديل المدونة، فقد قال العلامة السيد مصطفى بنحمزة، إن المساواة من مقاصد الشريعة وأنه لا يصح الاكتفاء بآراء نساء الحواضر المدافعة عن حقوق المرأة، بل الذهاب إلى نساء الجبال والوديان لأن المرأة المغربية لها إشكاليات كبرى، ومن هذه الإشكاليات وجود حوالي ثمانية ملايين عانس ،ما يستوجب الدفاع عن التعدد، خصوصا في حال مرض الزوجة, وقال إن المدونة التي يراد اليوم تعديلها كانت نتاج جهد بذله إلى جانب الفقهاء، مجموعة من الأطياف السياسية والحقوقية ورجال القضاء، وأنه لم تكن من ضرورة لإصلاحها بأي حوار وختم بالقول، النموذج المغربي تحقق في المدونة الحالية وإذا رأي البعض أن هناك نموذجا آخر فهذا يخصهم.

ومعلوم أن جلالة الملك كان قد وجه خطابا إلى رئيس الحكومة بخصوص إصلاح مدونة الأسرة بالرغم مما جسدته من مميزات، إلا أن مدونة الأسرة أضحت اليوم في حاجة إلى إعادة النظر بهدف تجاوز بعض العيوب والاختلالات التي ظهرت عند تطبيقها القضائي ومواءمة مقتضياتها مع تطور المجتمع المغربي ومتطلبات التنمية المستدامة وتأمين انسجامها مع التقدم الحاصل في تشريعنا الوطني. وفق ما سبق أن أشار إليه جلالته أمام البرلمان وجدد تأكيده في خطاب العرش الأخير. ووضع جلالته الإطار الشامل لتنفيذ هذه العملية التي يجب أن تتم في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية وخصوصيات المجتمع المغربي. مع الاعتماد على فضائل الاعتدال والاجتهاد المنفتح والتشاور والحوار.

هذه هي المبادئ التي سيقوم عليها إصلاح المدونة الحالية من أجل تحقيق النموذج المغربي الجديد للمدونة، وفق الرؤية الحكيمة لجلالة الملك.

أضف تعليق