فضاء الأنثى
يروج منذ مدة، جدل حول “العلاقات الرضائية” التي يروج لها وزير العدل في حكومة إمارة المؤمنين، ويدعو بسببها إلى تعديل أو الغاء الفصل 490 من القانون الجنائي الحالي. الذي يجرم العلاقات الجنسية التي تتم بين رجل وامرأة خارج الزواج الموصف بالشرعي، اعتبارا لكون هذه العلاقات تكون جريمة “فساد” يعاقب عليها القانون الحالي بالسجن والغرامة. بينما يعتبر طرح الوزير ومناصريه أن الأمر يتعلق بالحياة الخاصة للأفراد بل وبالحرية الشخصية التي يجب أن تكون محصنة من أي تدخل خارجي. ما يعنى ترك العلاقات الجنسية للاختيارات الخاصة للمعنيين بالأمر، دون إكراهات أو تدخل خارجي. ما يشكل طغيان الجماعة على حقوق الأفراد.

بالمقابل، يرى الداعون إلى استمرار إخضاع هذه العلاقات الي وصاية الجماعة المحددة بقانون، من أجل الحيلولة دون فتح باب “الفساد” وتفشي ما يسمونه ب”الرذيلة” والمعصية، داخل المجتمع، لأن اعتماد الحرية في العلاقات الجنسية ، من شأنه خلقُ مشاكل اجتماعية لا قبل للمجتمع بها وبآثارها المدمرة للأخلاق والقيم التي تشكل أحدى الصفات الأساس للمجتمع المغربي, مثل تزايد عدد المواليد خارج الإطار إلى الآلاف التي يشهدها المجتمع المغربي حاليا والذي لم تتوان السيدة فاطمة الشنا رحمها الله في تنبيهنا اليه طوال نصف قرن من كفاحها لصالح إيجاد فرص للحياة الكريمة للأمهات العازبات ولأطفالهن ممن نرفض لهن حق تحكيم الحمض النووي لتحديد أبوة الطفل في حالة وجوده، وغالبا ما يوجد، إلا أن تعقيدات المسطرات وتخلف بعض الذهنيات المتشبثة بنظريات وأحكام متجاوزة تشكل أحيانا صعوبات في طريقهن لتبرير مطالبهن عن طريق الشرع والقانون.

المطالبون ب “تحرير” العلاقات الرضائية من مفعول الفصل 490 يرون أن القانون مبدئيا يضمن الحريات الفردية والجماعية بغاية خلق توازن بين الفرد والجماعة، وبالتالي فإن “تسييج” حق الأفراد في حرية العلاقات الرضائية، أمر يخالف هذا المبدأ، إلا أن لهذا الحق آفات وأضرار جانبية من الضروري ليس فقط التفكير فيها بل التنبه إليها والحيطة منها بالقانون أيضا. ومن أهمها توفر الشعور بالمسؤولية الكاملة على ما قد سيترتب عن تلك الممارسات الرضائية من تبعات وأضرار على الأفراد والمجتمع ككل. إذ أن إلغاء الفصل 490 قد يفتح الباب أمام المطالبة بإلغاء كل الفصول الحامية للأخلاق العامة ليجد المجتمع المغربي نفسه وقد أحاط به الفساد الأخلاقي من كل جانب. حقيقة إن بعض الجهات النسائية تعتبر أن الفصل المذكور فيه حماية للنساء غالبا، إذ غالبا ما يكرس التميز المبني على النوع، ربما يكون هذا الاعتقاد مبنيا على سلوك عقليات متحجرة لا تعتبر أن الجرم يطول الرجل والمرأة سواء بسواء ولا يقتصر على المرأة، إلا أن العقاب يؤثر بدرجة أكثر على المرأة، هذا صحيح.
وقد أظهرت استطلاعات للرأي ميول المستجوبين إلى رفض إلغاء مقترح العلاقات الرضائية بالأغلبية، لما سيترتب على هذا الإجراء من تدمير للأخلاق المجتمعية. ولو أن هذا النوع من العلاقات مرغوب فيه ويمارس في كل المدن بل ويعتبر عاملا من عوامل السياحة الجنسية التي تتحدث عنها بعض الاستطلاعات، أجنبية ووطنية، في جهات معينة.
وإلى الآن لا يزال وزير العدل المناضل عبد اللطيف وهبي يناضل من أجل تمرير تعديلاته على القانون فيما يخص الحريات الفردية في مواجهة المدافعين عن القيم المجتمعية والدينية باعتبار أن المجتمع المغربي مجتمع إسلامي محافظ. فهل هو كذلك فعلا؟ أم إن الأمر يتعلق بالتماشي مع بعض “الإملاءات” الخارجية المتصلة بالحقوق الكونية. أوليس الوزير وهبي من صرح بعظمة لسانه أن غايته أن يبرهن أن الحريات الفردية مصلحة وطنية تستجيب لمقتضيات الحداثة ولا تتعارض مع الدين الإسلامي.
