بعد أسابيع من المفاوضات تتخللها إضرابات وتظاهرات ومسيرات تسببت في هدر الزمن المدرسي وما ترتب عنه من مشاعر القلق بالنسبة لأولياء أمور التلاميذ والتلاميذ أنفسهم الذين انقلبوا جميعهم ضد الأساتذة بعد دعم سابق لمطالبهم حين تبين لهم أن المشكل يوجد في عدم اتفاق ممثلي الأساتذة، بين نقابات تعليمية وتنسيقيات “شعبية” في الحوار الذي دعت إليه الحكومة ومهدت له بالاعتراف بضرورة مراجعة نظام بنموسى و “تجويده”. بعد كل ذلك، وصلت اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة الحوار مع النقابات التعليمية، إلى اتفاق 26 دجنبر خلناه نهاية مطاف هذا الحوار وأنه سيعيد الأساتذة والتلاميذ إلى فصول الدراسة.
وبمجرد الإعلان، الثلاثاء الماضي، عن تفاصيل هذا الاتفاق الذي رحبت به النقابات التعليمية واللجنة الوزارية، وبدون مرور الوقت الكافي للاطلاع الكامل على تفاصيله سارعت بعض التنسيقيات إلى التنصل منه اعتبارا لأن هذا الاتفاق يدخر امتيازات لأطر الوزارة الذين لم يقوموا بإضرابات ولا باحتجاجات، ولا عرفت أجورهم محنة الاقتطاعات، بينما الأستاذ الذي كان في صلب هذه الاحتجاجات خرج منها بخفي حنين، أي “بيد خاوية وأخرى ما بها شيء” وهذا ليس حقيقة. فالواقع يبرز بما لا شك فيه أن هذا الاتفاق استجاب لمجموعة أساسية من مطالب الأساتذة ونقاباتهم وتنسيقيتاهم ومنها على وجه الخصوص إصدار مرسوم ينسخ مرسوم 6 أكتوبر 2023، المتعلق بالنظام الأساسي المشؤوم. وإقرار زيادات عامة وهامة في الأجور، وطوي كذلك ملف التقاعد الموروث عن “ولاية بنكيران الإسلامية”، بصفة نهائية، ليكتسب المتعاقدون السابقون وجميع موظفي التربية الوطنية، صفة “الموظف العمومي” ويستفيدون من كافة حقوقهم بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية وإدماج جميع أساتذة التعليم الذين تم توظيفهم سنة 2016 الثانوي في إطار التعليم الثانوي التأهيلي إضافة إلى فتح الحق في المشاركة في الانتقالية السنوية في وجه المعنيين بالأمر ومعالجة الاقتطاعات التي طالت أجور الموظفين خلال الفترة الأخيرة والزيادة في التعويضات التكميلية للأساتذة بمبلغ شهري صاف قدره 500 درهم واحتسابه في المعاش، فضلا عن الزيادة في التعويضات التكميلية للمستشارين في التوجيه التربوي والمستشارين في التخطيط التربوي بملغ شهري صاف قدره 300 درهم. كما تلتزم الحكومة بتحويل التعويض المقرر بناء على اتفاق 10 دجنبر 2023 للموظفين المرتبين في الدرجة الممتازة خارجة السلم والمحدد في 1000 درهم شهريا ابتداء من الرتبة 3 بدلا من الرتبة 5 ورفع الأقدمية الاعتبارية في 4 سنوات على 5 سنوات مع التنصيص على ان عدد السنوات المحتفظ بها لا يمكن إن يقل عن 3 سنوات بالنسبة للذين تم توظيفهم خلال سنوات 1993 ، 94، 95 وسنتين للذين تم توظيفهم سنة 1996 وسنة واحدة لموظفي سنة 1997.
والتزمت الحكومة بالنظر في تحسين دخل أساتذة لتعليم الابتدائي والثانوي والاعدادي بنص تنظيمي لاحق وكذا باتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ مضامين هذا الاتفاق فيما تلتزم النقابات التعليمية، في حدود اختصاصاتها، بالانخراط الفعال في برامج الإصلاح الهيكلي لمنظومة التربية الوطنية والتكوين.
كما تعهدت الأطراف الموقعة على هذا المحضر باستمرار الحوار من أجل معالجة الملفات القطاعية مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق المتعلمين وتمكينهم من تعليم ذي جودة. كما تم الاتفاق على مواصلة العمل وفق المقاربة التشاركية التي اعتمدت التوافق على مضامين هذا النظام الأساسي على إعداد مشاريع نصوص تطبيقية لكسب رهانات الإصلاح العميق للمنظومة التربوية وتعزيز الثقة في المدرسة العمومية.
الإعلان عن تأسيس نقابة تعليمية جديدة
وقبل حتى أن يستوعب نساء ورجال التعليم بصورة جيدة، مضامين هذا الاتفاق الذي استجاب لمعظم المطالب الأساسية للأساتذة، على أن يستمرا لحوار لتحسين ما اتضحت ضرورة تحسينه في نطاق الحوار المستمر، تم الإعلان عن تأسيس نقابة تعليمية جديدة تحمل اسم “نقابة التعليم بالمغرب” وبدأ الاعداد لمؤتمر وطني تأسيسي لهذا التنظيم الذي قيل إن إنشاءه جاء بعد أن لم تتمكن النقابات المحاورة من تدبير هذا الحوار بخصوص “الملفات الحارقة” للأسرة التعليمية ( النظام الأساسي ، ملف التعاقد، الملفات الفئوية، تحسين الأوضاع الاجتماعية والمادية لموظفي قطاع التعليم ولتحقيق الكرامة المنشودة) وكلها ملفات وقع بشأنها تفاوض فعلي مع النقابات وحصل اتفاق عام. على أن يستمر الحوار لتجويد مختلف الاتفاقات.
ومن الأمور التي دعت لتأسيس النقابة الجديدة، حسب المؤسسين، “تلكؤ الجهات الحكومية وتماطلها في الاستجابة لمطالب رجال ونساء التعليم رغم طول الإضرابات دون الحصول على حلول ترضي الشغيلة التعليمية، المنخرطة في التنسيقيات كبديل واقعي مع ما وُصف ب “مهازل” الحوار القطاعي ومنزلقات القانون الأساسي “الذي تمت ديباجة بنوده في دو من السرية والتعتيم”. وكلها قضايا وقعت معالجتها داخل اللجنة الوزارية وحصل بها اتفاق يرضي مطالب الأساتذة، بنظر النقابات المحاورة.
وهكذا رفضت تنسيقيات العودة للفصول، في انتظار النقابة الجديدة، وقررت الاستمرار في الإضراب ومتابعة تنظيم المسيرات الاحتجاجية ضدا على مصلحة التلاميذ، وصولا إلى سنة تعليمية بيضاء، الأمر الذى أعرب الشعب عن رفضه، وتحول من موقف المتعاطف مع الأساتذة إلى موقف المواجهة لهم بعد أن لاحظ أن الحكومة تعاملت بجدية مع مطالب الشغيلة التعليمية، حسب الإمكانات التي يتيحها الوضع الحالي للبلاد، وقررت تحسين وضعيتهم الاجتماعية والمالية بما يعادل 20 مليار درهم سنويا.
ومع أن الأساتذة “يستهلون أكثر”، حسب شعار حزب الأحرار، إلا أن ظروف البلد والمشاريع الاجتماعية المفتوحة حاليا قد لا تسمح بأكثر مما تم إقراره. “وما لا يدرك كله لا يُترك جلّه”!
قد تكون نتائج الحوار مع الحكومة ليست جيدة بالكامل، ولكنها تستجيب لمعظم المطالب. والمهم، أن باب الحوار يبقى مفتوحا، بشهادة الشعب، أمام النقابات والتنسيقيات، بحسن نية، لتجويد وتحسين أو تغيير ما يتطلب ذلك من القرارات والاتفاقات.