كتب ع. كنوني

يميل الرئيس دونالد ترامب إلى دعم المغرب في عزمه على استرجاع مدينتي سبتة ومليليه المحتلتين بعد طيّ ملف الصحراء الذي كان
لاعترافه بسيادة المغرب على أراضيه الجنوبية تأثيرٌ واسعٌ على إقناع المترددين في مغادرة المواقف الرمادية والاعتراف الصريح بمغربية الصحراء وبالمقترح المغربي للحكم الذاتي.
وعمليا، لوحظت تحركات قوية داخل الكونغرس الأمريكي تطالب بالاعتراف بسيادة المغرب على المدينتين التين تقعان “داخل التراب المغربي”
وفي هذا الإطار، أعادت لجنة من لجان مجلس النواب طرح ملف المدينتين وطالبت الإدارة الأمريكية بدفع المغرب واسبانيا إلى التفاوض حول مستقبل المدينتين اللتن يندرج احتلالهما في نطاق السياسة الاستعمارية لبعض البلدان الأوروبية خلال العهد الوسيط وبالضبط بعد خروج العرب من الأندلس وتشكل الدولة الاسبانية التي لم تكن تخفي أطماعها في السطو على البرتغال وضمه إلى امبراطوريتها لتنفرد بكامل تراب شبه الجزيرة الإيبيرية، وهو ما حصل بالفعل أثر موت الملك دون سيباستيان في معركة واد المخازن قرب القصر الكبير بالمغرب نتيجة هزيمة البرتغال من طرف المغرب الذي سحق جيوش دون سيباستيان في معركة واد المخازن (أغسطس 1578) التي قتل خلالها ملك البرتغال ليسارع الملك الاسباني فيليب الثاني لاحتلال البرتغال بعد فراغ العرش وضياع الجيش وانهيار الدولة، ونصب نفسه ملكا على البرتغال باسم فيليب الأول.
ولا تزال مدينة برتغالية كبيرة تحت الاحتلال الإسباني منذ عام 1801، وهي مدينة “أوليفنسا، وتقع اليوم في مقاطعة باداخوس جنوب غرب اسبانيا، وبالرغم من أن مؤتمر فيينا 1815 أقر ببرتغالية المدينة وطالب بإعادتها للبرتغال إلا أن اسبانيا التي اعترفت ببرتغالية المدينة ولكنها رفضت وترفض للآن تسليمها لأصحاب الحق، وتستمر في احتلالها إلى الأن. ويا للمفارقة، دولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي تحتل أرضا لدولة هي أيضا عضو في الاتحاد الأوروبي. والاتحاد كأنه لا يعلم!!ّ!ّ….
وبالعودة إلى مدينتي سبته ومليليه، فإن احتلال المدينتين سوف لن يبقى بعد اليوم نزاعا ثنائيا، بعد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية، لصالح عودة المدينتين إلى أصحابهما التاريخيين والقانونيين والشرعيين بل إن هذا النزاع بدأ يأخذ بعدا دوليا حيث أن ملف المدينتين والجزر الملحقة بهما سوف يحصل سريعا على دعم العديد من دول العالم التي لا تقبل بوجود أراضي احتلال وأراضي سيادة وأراضي نفود وأراضي استعمار في القرن الواحد والعشرين، خاصة والمغرب يحظى بتقدير العالم لمواقفه الإيجابية من أجل الحرية والأمن والسلم والتعاون

وكان طبعيا ان يُحدث ذلك حالة من القلق الشديد في إسبانيا حيث سارعت بعض وسائل الإعلام المحلية التي لا زالت تحلم بشعار الفرنكوية “إسبانيا كبيرة وواحدة” إلى التنديد بموقف الكونغرس ومؤكدة، ضد حقائق الواقع والتاريخ والجغرافيا والديمغرافيا أن المدينتين جزء من اسبانيا، تماما كمدريد واشبيليا ومالقا.!!!…بل إن هذه الصحافة “السخافة”، رفضت أي تدخّل أمريكي في هذا الموضوع، تماما كأن إسبانيا تفرض آراءها على الولايات المتحدة الأمريكية وتحدد لها مواقف القبول أو الرفض فيما يخض العلاقات الخارجية لأقوى بلد في العالم! ولابد أن ملف المدينتين السليبتين سيشهد تطورات هامة في المستقبل القريب.
باختصار، ملف مدينتي سبته ومليلية يوجد منذ الآن على طاولة النقاش على مستوى الإدارة الأمريكية.
المغرب يسعى دائما لتمتين علاقاته وصلاته مع إسبانيا بل أن العنصر الأندلسي يعتبر، دستوريا، أحد مكونات الهوية الوطنية المغربية، إلى جانب العنصر العربي والأمازيغي والحساني والعبري، ولكن الشعب المغربي لن يرضى أبدا بقاء مدينتين مغربيتين أصيلتين والجزر التابعة لهما تحت راية غير الراية الحمراء بنجمتها الخماسية الجليلة.
يجدر التذكير في هذا الحديث بان العالم المؤرخ التطواني الشهير الأستاذ الحكيم رحمه الله ترك في خزانته ألف دليل ودليل على الطابع الاستعماري للمدينتين والجزر التابعة لهما، دلائل مستقاة من “الكورتيس” البرلمان الاسباني الذي أرّخ للحملات الصليبية الاستعمارية الاسبانية على ساحل المتوسط المغربي، مدنه وجزره من أجل الحيلولة دون رجوع الأندلسيين الذين استقروا بشمال المغرب بعد خروجهم من الأندلس. والغدر بهم من طرف تحالف عرشي كاستيا وأركون.
باختصار تم استعمار سبته من طرف البرتغال سنة 1415 وبعد محاولات وحروب وحصار من طرف المغاربة. أما مليليه فقد استعمرت من طرف الأسبان سنة 1497. قبيل تحالف زواجي بين إيزابيل الأولى ملكة كاستيا وفرديناند الثاني ملك أراكون سنة 1469 هذا التحالف الذي أطلق عليه تحالف “الملوك الكاثوليك” يعتبر أساسيا في تشكل دولة اسبانيا المعاصرة. إذ أنه وضع أسس تشكل دولة اسبانيا الحديثة. بمعنى أن احتلال مدينتي سبه ومليليه، الأولى من طرف البرتغال سنة 1415 والثانية من طرف الاسبان 1497. شكل انطلاق عملية “الاسترداد” لتبدأ مرحلة فرض الديانة المسيحية عبر محاكم التفتيش أوالطرد للمسلمين واليهود. لينتقل الملكان بعد ذلك إلى مرحلة جديدة مرحلة “الاستكشافات” أو التوسعات الاستعمارية في أبشع صورها اللاإنسانية خاصة في القارة الأمريكية أو ما كان يسمى بالعالم الجديد.
