تزامنا مع احتفالات الشعب بعيد الجلوس الملكي، تفاجأ المواطنون ومعهم ملايين من سكان العالم بأخبار الهجرة الجماعية من مواطنين مغاربة، شيبا وشبابا وكهولا وأطفالا وعائلات نحو مدينة سبته في مشاهدة مؤثرة ومقلقة بين من يقاوم أمواج البحر ومن يركض برّا للوصول لآرض “النجاة” في إصرار على تخطي الشباك الفاصل بين الأرض الواحدة، مغربية من هنا ومستعمرة اسبانية من هناك يفرض احترام “سيادتها” جنود مغاربة وأسبان.
مغاربة من مدن مختلفة، رجالا ونساء وشبابا وأطفالا ورضعا أحيانا، وراشدين، في هرولة جماعية مقلقة ومخيفة، مثيرة للشفقة، تناقلته وسائل الإعلام المغربية والاسبانية والأجنبية كل يعلل المشهد بما يراه أو بما توحي إليه خلفيته السياسية وموقفه الشخصي من تداعيات الوضع الاستعماري لهذه المدينة والظروف الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وما يفهمه من تداعيات الوضع وتحليله لطبيعة عمل المسؤولين المغاربة وطبيعة تعاملهم مع الأضرار التي يشتكي منها المواطنون والتي قد لا يتعامل معها المسؤولون بما يلزم من الحلول،، أمور ربما كان لتراكمها أثر في اندفاع فئات من شباب المغرب، رجالا ونساء وأطفالا نحو آفاق في نظرهم واعدة كذاك الشاب الذي حاول “الحريك” وهويحمل أمه فوق ظهره محاولا الوصول إلى مدينة سبته أملا في الحصول لوالدته على فراش بمستشفى عمومي للعلاج، لا شك بعد ما استعصى عليه ذلك في مدينته, وكلنا نعلم معاناة الشعب المغربي مع الصحة العمومية المغربية المريضة.
هروب الإلاف من المغاربة خاصة من الشباب والأطفال والنساء من بلادهم وفي إصرار نحو مستعمرة سبتة، مع أن بلدهم لا تعاني مجاعة ولا حربا أهلية ولا قلاقل أمر يدعو للتأمل ويضع بحدة سؤال النجاعة في تدبير الشأن العام وفي التعامل الإيجابي مع قضايا المواطن. حركة “الحريك” نحو سبته، التي لم تكن الأولى في المغرب، استغربت لها مختلف المنابر الإعلامية الأوروبية، خاصة الفرنسية واسبانية التي قدرت أعداد المهاجرين ” ب 60 ألفا نحو سبته لقى حتفهم منهم المائات غرقا أو مفقودين.

المؤلم في هذا الموضوع هو تعداد الشبان والشابات الذين تبتلعهم الأمواج قبل الوصول إلى “ايل دورادو” الاسباني حيث الانسان ينعم بمرجع واسع من الحقوق الأساسية والمساعدات والتسهيلات خاصة في العلاج الذي هو حق مقدس في تلك البلدان. أمور في اعتقادهم من أسمى المطالب وأعزها على قلوبهم.
المهم أن الاف المواطنين نزولوا للبحر، ليس للاستجمام، بل في مخاطرة مع الحياة إما الوصول أو الموت. هذا الموت الذي إن اشتد ت الظروف الداعية إليه يصبح أمنية من الأماني الشافية، في قول المتنبي رحمه الله: “كفى بك داء ان ترى الموت شافيا.. وحسب المنايا ان يكن امانيا”. ما أعظم القول وما أجل قائله!…
وفعلا قامت الشرطة المغربية ونظيرتها الاسبانية بما يلزم لحصر هذا النزيف البشري بإغلاق المنافد البحرية وتفريق الحراكة باستعمال الوسائل” الكبرى بما يلزم من الصرامة. المعدة لذلك ومنها خراطيم المياه وتفكيك التجمعات.
ومن المشاهد المؤثرة أيضافي هذا الفيلم المرعب، أم غامرت بنفسها وثلاثة من أبنائها لتلتحق سباحة بسبته، لتجد نفسعا وأطفالها وسط مياه عاتية لولا تدخل فرق الإنقاذ، لتخرج سالمة هي وأطفالها من هذه المغامرة الشجاعة للوصول إلى سبته تحقيقا لحاجة في نفسها.
وتجد من بين المغامرين من يقول لك إن الموت أهون من البقاء على عيش مذلة بلا عمل ولا كرامة. إنه الإحباط أمام افق مسدود إحباط مفتوح ينخر الشباب ويدفعهم لليأس أمام “كلام” الحكومة وتباهيها بالدولة الاجتماعية التي تعتبرها أمرا خارقا كان لها السبق فيها.
المغاربة بحاجة ليس فقد للخبز ولو أنه ضرورى للحياة ولكنهم أيضا بحاجة للكرامة وللاحترام والتعامل الإنساني الكريم. إنهم بحاجة لنوع جديد من الحكومات قيل الكثير بشانها وطال انتظارها.
الحكومة نزلت بثقلها لضبط الشريط الحدودي أمام تدفقات المهاجرين الذي يندفعون وراء مؤثرات اجتماعية واقتصادماية منها البطالة المتفشية والهشاشة الاجتماعية واتساع الفجوة بين الطبقات الهشة ما بضعف إمكانيات الارتقاء الاجتماعي ويدفع إلى البحث عن بدائل بتأمين حد أدنى من إمكانات العيش.
ويمثل الشباب النسبة الكبرى من المتخللين عن بلادهم الراغبين في المغامرة كما لوحظ وجود أمهات وأطفال وعائلات بـكاملها ضمن الساعين إلى المغامرة بالحياة ومواجهة مخاطر الموت غرقا والملاحقات التي تنتظرهم إن بقوا على قيد الحياة مما يتسبب في حالات إنسانية واجتماعية صعبة وضياع الأرواح.
وفي هذا الإطار تتحدث الحكومة عن برامج “تنموية” لموجهة التشغيل،
هذه البرامج لا تبعث على الثقة بسبب محدودية أثرها الميداني وغياب الاستدامة وضعف التنسيق فبرامج أوراش مثلا تعتمد على عقود عمل مؤقتية لا تضمن الاندماج المستمر للشباب قي سوق الشغل ثم إن تشتت المبادرات وغياب التنسيق و عقبات التمويل والبيروقراطية التي تواجه المقاولات الذاتية مثل برنامج “فرصة” ولا ننسي ضعف التواصل بحيث كثير من الشباب لا يعلم بوجود هذه البرامج وطريق الوصول إليها
وهو ما يقوي الشعور بانسداد الافاق ويدفع إلى الهجرة والمغامرة بالحياة. من أجل لقمة العيش.
هذا بالنسبة لعموم الشباب أما عن الشباب المثقف، من أصحاب شواهد جامعية، فحدث ولا حرج! إذ كيف تكون نفسية شاب قضى حوالي عشرين سنة من عمره ليحصل عل شهادة مهندس فلاحي مثلا، من جامعة فرنسية عتيدة، ولا يجد عملا بوطنه وهو الذي كان يُمني النفس بالعمل لصالح الفلاح المغربي. وحيت يري مع الوقت تأثيرمقولة “باك صاحبي” وتدخُّل المحاباة -المنكر الامر الذي يدفعه إلى البحر والمغامرة بالموت أملا في الحياة،
وافهموها كيفما شئتم.
ع.كنّوني

